قائد غير مسيرة شعبه

abdaslam-ahmad
عبد السلام أحمد
في ١٥ شباط  سنكون على موعد مع ذكرى واقعة مؤلمة أصابت الشعب الكردي سهما جارحاً في القلب هي الذكرى السادسة عشر لاعتقال القائد عبدالله اوجلان في العاصمة الكينية نيروبي بمؤامرة دولية اشتركت فيها استخبارات العديد من الدول في عملية قرصنة قل أن تجد لها نظيراً في التاريخ الإنساني ، الاعتقال الذي حدث بعد ما يقارب الثلاثة أشهر من مغادرته ارض الشام متوجهاً لأوروبا لعرض قضية أربعين مليون كردي على طاولة صانعي القرار في أوربا العجوز ، قيل بأنها ستشكل فاتحة حل مشرف لقضية شعب نزف الكثير من الدم على مذبح الحرية سيما وإن العديد من اعضاء البرلمانات الأوربية تقدم بدعوى رسمية للقائد اوجلان لزيارة بلدانهم وأبدوا استعداد حكوماتهم لتلعب دوراً وإيجاد مخرج سلمي للقضية الكردية في شمال كردستان . لقد نكث الجميع بالعهد وفي مقدمتهم اليونانيون اللذين خانوا الصداقة بصفاقة ، وباع الروس ما تبقى لهم من شرف في سوق النخاسة مع الجمهورية التركية ، واوروبا التي تنكرت لقيم الديمقراطية وحقوق الانسان التي تتشدق بها ليل نهار على مذبح صفقاتها الاقتصادية ومصالحها الاستراتيجية مع تركيا العضو الرئيس في حلف الناتو.
القائد اوجلان قال عندما كان يهم بالمغادرة إلى حيث سيتجه، نحن خرجنا من أنقرة إلى آمد فأسسنا الحزب ، وخرجنا من آمد إلى ساحة لبنان فشكلنا الجيش ، واليوم نحن نخرج لساحة أوربا لنبني وطن ، بندقيته بيد وفي اليد الاخرى غصن زيتون وحمامة السلام.
كان الحزب قد أعلن وقفاً لإطلاق النار من جانب واحد للمرة الثالثة في يوم السلام العالمي تحديداً في ١٩٩٨/٩/١ للانتقال لمرحلة تتراجع فيها البنادق وتتقدم السياسة إلا أن خفافيش الظلام تحركت مرة أخرى ، فكما أجهضوا مبادرة وقف إطلاق النار الأولى آذار عام١٩٩٣ بإسقاط طائرة قائد قوات الجندرمة التركية اشرف بدليسي وقتل الجنود الأسرى و اغتيال الرئيس التركي توركوت أوزال ، ليبدأ فصل آخر من الحرب المدمرة حصدت آلاف الأرواح من كلا الطرفين ، أعادوا الگرة مرة اخرى وأن كانت بطريقة مختلفة فالأطراف المتضررة تحركت وسخرت كل قدراتها لخدمة الدولة التركية العميقة الاركنكون في نسف المبادرة ،وطرح قضية الشعب الكردي على طاولة الحوار أوإشراك القوى الأوربية الفاعلة في الحل ، حيث تعرضت الحكومة الإيطالية برئاسة السيد ماسيمو داليما لضغط وابتزاز شديد من حكومة الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها في الناتو ، لترحيل القائد اوجلان خارج الاراضي الإيطالية .
لقد أضافت الاختطاف للذاكرة الجمعية الكردية المؤامرات التي تعرض لها الشعب الكردي و قادته عبر العصور ، حيث الخسة والنذالة ولانهيار الاخلاقي، وأعاد للأذهان ” مقولة لاأصدقاء للكرد سوى جبالهم ”
اما لماذا تم استهداف قائد حركة التحرر الوطنية الكردستانية بهذا الشكل بحيث اجبرت الكثير من الدول الأوربية أن تتنكر لقوانينها وتشريعاتها التي تتشدق بها في مواجهة عالمنا المتخلف ، حتى ان النيابة العامة الألمانية وخلافاً لقوانينها استعادت مذكرة الاعتقال الصادر بحق القائد ورفضت وجوده على أراضيها ،وهي أسباب سنوردها تباعاً وفق مانراه .
أولاً – توافق المصالح التركية الاستراتيجية مع مصالح الدول الأعضاء لأن تركيا تعد الدولة العضو الرئيسي في حلف الناتو وأعضاء الناتو محكومون بميثاق الحلف الذي يدعوا الأعضاء لمناصرة بعضهم البعض .
ثانياً -الحكومة اليونانية التي لها عداء تاريخي مع تركيا ، حيث لازالت هناك الكثير من القضايا العالقة بينهم منذ الحرب العالمية الاولى وخاصة موضوع الجزر المتنازع عليها ، ولليونان مصلحة مؤكدة في تأجيج الصراع ، وتوهموا بأنهم قادرين على استثمار الورقة الكردية لتحقيق مكاسب لبلدهم.
ثالثاً-روسيا التي كانت في مرحلة نفض غبار الحرب الباردة ، وكانت في مرحلة اعادة لملمة اطرافها المهددة بحروب ، وخاصة حربها في الشيشان ، الدولة التركية أوقفت الدعم المقدم للشيشان مقابل رفض الحكومة الروسية استقبال اوجلان مع أن البرلمان الروسي وافق بالإجماع على منح حق اللجوء السياسي للقائد الكردي .
رابعاً- دوائر الحرب الخاصة التركية والدولة التركية العميقة المسماة “اركنكون” وجنرالات الحرب والنخب السياسية القومية التركية ، ومن يدعون بإنهم حماة الجمهورية والإرث الكمالي.
وقتها راهن أعداء الكرد ومعهم الكثير من الموتورين من الكٓتبة في الصحف الصفراء و العديد من المراقبين وانصاف السياسيين على أفول نجم p.k.k وذهاب قوته في المنازعة بين قياداته بعد أن وقع قائدها في الأسر ، واعتقدوا أن تراجيديا التاريخ الكردي ستتكرر، وبدأو يكرعون انخاب النصر على تلال آلام الشعب الكردي الذي مأكل وما مل من إشعال الثورات. لكن القائد اوجلان خيب فأل الأعداء والمتربصين وجعل كيدهم في نحرهم .
ظهر حزب العمال الكردستاني ولم تندمل الجراح الغائرة التي تركتها اتفاقية الجزائر المشؤومة في جسد الأمة الكردية ولم يستفق بعد الشعب الكردي من هول الصدمة إثر انهيار ثورة الراحل المُلا مصطفى البرزاني بعد الاتفاق الذي رعته حكومة بومدين بين شاه إيران رضا بهلوي ونائب رئيس دولة العراق صدام حسين في ٦ آذار ١٩٧٥ وبموجبها تنازل حكام بغداد عن شط العرب لإيران مقابل محاصرة الأخيرة للثوار وقطع التمويل عنهم ، وقتها خرج من تكلم وهو ينز الماً ووجعاً قائلاً “لا ثورة كردية بعد اليوم ” فزرع في جنباتنا اليأس وخنق فينا الأمل.
مجموعة من الشباب اجتمعوا في قرية تدعى “فيس” من قرى مدينة آمد عاصمة كردستان الشمالية عددهم ثلاثة وعشرون نفراً يقودهم طالب لازال على مقاعد الدراسة لم يبلغ ثلاثين ربيعاً من العمر ولم يكن ذاك غير عبدالله أوجلان هذا الشاب الذي وضع نصب عينيه مهمة احياء شعب تم دفنه في قبر إسمنتي وكتب الأعداء على شاهد المدفن هنا قبر كردستان ، لم يكن يملك وقتها غير بضع أصدقاء وحفنة من الدراهم لا تكفي اجرة طريق ومانيفستو حلم الدفاع عن الهوية الكردية ، كردستان مَستعمرة ويجب تخليصها من براثن المستعمرين هكذا قال : لذلك استنفر كل طاقاته من اجل تهيئة مقومات النصر وبناء التنظيم والفرد الحر.
الانقلاب العسكري في ١٢ أيلول ١٩٨٠ شتت الحزب فالبعض من رفاق الدرب اعتقل ليتحول شمعة تذوب قطرة قطرة ومنارة تضيء طريق الجلجلة المحفوف بالأشواك وصار شعار ” المقاومة حياة” عنوان مرحلة ونبراس الرجولة ، وآخرون عبروا الحدود المزروعة بالأسلاك الشائكة وحقول الألغام في الاتجاهات الأربعة للبحث عن الأصدقاء لإعادة تجميع القوة وهيكلة التنظيم ولملمة الجراح ومن ثم العودة والرد باللغة التي يفهمها جنرالات الموت رصاصة المقاومة كسرت جدار الخوف ومرغت انوف جنرالات الجيش التركي في اوحال كردستان .الجيش الذي عرف بالهمجية والصلف والغرور عبر التاريخ. ميادين المعارك المظفرة خلقت شعباً محارباً معتداً بنفسه ، ينفض عن ثيابه غبار التتريك ويزيل العفن المتراكم عبر سنين القهر والظلم، ويولد الكردي من جديد كما العنقاء من الرماد .
قوة أي مجتمع تكمن في تنظيمه لذلك تم اخضاع آلاف الكوادر الحزبية من كلا الجنسين لدورات تدريب سياسية وعسكرية مكثفة ليعملوا بعدها وينتشروا كما حواريي المسيح في ارجاء المعمورة يواصلون الليل بالنهار لتنظيم الجماهير وتوعيتها ونشر الفكر الأوجلاني ، وبشكل تطوعي ودون اي مقابل مادي، وفي اعتماد تام على إمكانات الشعب الذاتية . أعاد الحزب الروح لنصف المجتمع وكسر قيود عبودية المرأة ، وتم انشاء العشرات من المنظمات النسائية والشبابية ، والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية . ليفجرها ثورة على واقع متردي انه الميلاد الجديد.
كبر التنظيم واستقطب شرائح وقطاعات واسعة من أبناء وبنات الشعب الكردي في أجزاءه الأربعة وفي الشتات ، ولم يطرح نفسه كأداة تغيير مجتمعية على أساس قومي اوديني او مذهبي ، فالشهيد الاول في الحزب حقي قرار والذي يعد من مؤسسي الحزب تركي الأصل وكذلك الشهيد كمال بير الذي اضرب عن الطعام حتى الموت في المعتقل دفاعاً عن مبادئ الحزب ، ويضم الحزب في صفوفه المئات من الأعضاء من مختلف الملل كما اعتمد آليات تنظيمية لم تكن معهودة في الأحزاب الكردية الكلاسيكية كما لم يكن القائد اوجلان تقليدياً في قيادته، حيث استطاع وبما يملكه من كاريزما تفجير طاقات مجتمعه، وتغيير أنماط حياته ومسار حركته ليصبح القوة الديمقراطية الطليعية الملهمة في منطقة الشرق الأوسط و خلال فترة وجيزة من عمر الحركة النضالي.
ماكان لتركيا أن تتحرك بقواتها على الحدود البرية السورية لتهدد عبر جنرالها أتيلا اتيش باجتياح سوريا فيما إذا لم يغادر اوجلان ارض الشام لولا وجود الضوء الأخضر من حلف الناتو ، هكذا اقتضت مصالح المتحالفين ، واعتقدوا بأنهم بفصل الرأس عن الجسد سيتحول الحزب لأشلاء متناحرة تتقاتل على الكعكة ، وبمقدورهم استثمار الخلافات التي قد تحدث داخل مؤسسة القيادة ، وفي توجيه الضربة القاضية وإلحاقها بمصير سابقاتها من الثورات حيث انتهى رموزها على أعواد المشانق وضاعت الثورة في المنازعة بين أقطابها ، لكن تمسك الجميع بالقائد والتقيد بالتعليمات الصادرة منه عبر محاميه افشلت كل مخططات المتآمرين رغم الكبوات هنا وهناك وتضرر الأطراف وعطب البعض لكن العمود الفقري للحركة ظل متماسكا ، لقد استطاع القائد برؤيته الثاقبة وحكمته وحنكته السياسية أن يدير دفة السفينة لبر النصر رغم العواصف الهوجاء التي ضربتها من كل الجهات.
فهو القائد الذي غير مسيرة شعبه .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s