التكتيك التُركي والبَيْدَر الكوردي

د. أحمد خليل

د. أحمد خليل

العبقرية الطورانية:

عبقرية التُّرك الطورانيين في اختراع تكتيكات الغزو والاحتلال لا حدود لها، هذه حقيقة تاريخية معروفة لكل من يقرأ تاريخ الدولة العثمانية، ولولا تلك العبقرية لما استطاعت عشيرة مشرَّدة من تركمانستان، مؤلّفة من أربعمئة خيمة حوالي سنة 1092م، ومتنقّلة في غرب كوردستان والأناضول، أن تتحّوّل إلى إمبراطورية عثمانية تهيمين على شعوب عديدة في آسيا وأورپا وإفريقيا، وتحتلّ قسطنطينية عاصمة الروم سنة 1453م، وتجعلها عاصمة للإمبراطورية باسم (إسلام پول= استانبول)؟

ومنذ سبعة قرون، كلّما ثار الكورد على المحتلّ التركي، استخدم الطورانيون سلاحهم السحري الفتّاك للقضاء على الكورد الثائرين؛ نقصد شَيطنتهم، والادّعاء بأنهم أشقياء، عُصاة، لصوص، مرتدّون، كفّار. والأغرب من هذا أنهم كانوا يصفون القبائل الكوردية المُسلِمة السُّنّية الثائرة عليهم بأنهم “أَيزديون“، أجل، فالكوردي مؤمنٌ ومُسلم طيّب إذا بقي خانعاً للطورانيين وبمجردّ أن يثور عليهم، يصبح توصيفه (أَيزْدي)، ويجب قتله، راجعوا كتاب “سِياحَتْ نامَه” للرحّالة أُوليا چَلَبي ستجدون أمثلة كثيرة على ذلك.

السلاح السحري:

ومنذ أوائل القرن العشرين، وبعد انتصار الثورة البلشفية في روسيا، وشيوع مقولة ماركس “الدين أفيون الشعوب“، ولتبشيع صورة الكورد عند المعسكرين الشرقي والغربي، ابتكر الترك الطورانيون سلاحاً جديداً لأبلسة  الثوّار الكورد، وعزلِهم عن العالم، تمهيداً للقضاء عليهم، ذلك السلاح الجديد هو تهمة “الرجعية” والتمسّك بالإسلام، وخاصة أن ظروف كوردستان القَبلية والثقافية كانت تجعل شيوخ الدين قادةً للثورات، مثال ذلك: الشيخ عبيد الله نَهري، الشيخ سليم، الشيخ محمود حَفيد، الشيخ عبد السلام بارزاني، الشيح سعيد پيران، الشيخ سيّد رضا، وكانوا يُقنعون القوى الكبرى بأن الكورد مسلمون متعصّبون، يحاربون ضد تركيا التقدمية.

وفي الوقت نفسه، كان التُّرك الطورانيون يُقووّن النزعة الدينية في شمال كوردستان، ويسلّطون بعض الكورد المسلمين السُّنّة على المسيحيين (أرمن ونساطرة) وعلى الكورد العلويين والأيزديين، لتقديم دليل إلى القوى الكبرى على أن الكورد مسلمون متعصّبون، ولو رجعنا إلى أحداث ثورة 1836 بقيادة محمد پاشا راوَندوزي، وثورة 1880 بقيادة شيخ عُبَيد الله نَهْري، وثورة (1842 – 1847م) بقيادة بدرخان بك، وثورات بارزان في أوائل القرن العشرين، وثورة  1925 بقيادة شيخ سعيد پيران، وثورات دَرْسيم، وثورة آغري (آرارات)، لوجدنا أن الطورانيين كانوا يستعملون هذا التكتيك الخبيث لشيطنة الثوّار الكورد، وتأليب القوى الكبرى عليهم.

انقلاب السحر:

حينما فاز “حزب الرّفاه” الإسلامي- بقياة نجم الدين أَرْبَكان– بالأغلبية في انتخابات 1996، وترأّس أربكان حكومةً ائتلافية مع “حزب الطريق القويم” برئاسة تانسو تشيللر، منذ ذلك الحين تفاءلت بأن عاملاً جديداً مهمّاً سيعمل لصالح قضية تحرير كوردستان، وأن الترك الطورانيين سيخدمون قضيّتنا من حيث لا يدرون ولا يريدون؛ أقصد بالعامل الجديد تصاعدَ المدّ الإسلامي في تركيا، وظهورَها كدولة ذات أجندة إسلامية، بدل أن تبدو كدولة علمانية.

وحينما أصبح رجب طيّب أردوغان رئيساً للوزراء عام 2003، ازددت تفاؤلاً، وتصاعد تفاؤلي حينما أصبح أردوغان رئيساً للجمهورية سنة 2014، ولأوّل مرة أُعلن أنه خلال الانتخابات الأخيرة في تركيا، كنت أتمنّى أن يظلّ “حزب العدالة والتنمية” هو المسيطر، وكِدت أن أكتب مقالة أهنّئ فيها أردوغان على انتصار حزبه، لكن خشيت ألَا يفهم بعض الكورد هدفي، وخاصة أن نسبة فوز “حزب الشعوب الديمقراطي” الكوردي تراجعت بحدّة.

بلى، منذ وصول “حزب العدالة والتنمية” الطوراني الإسلامي إلى السلطة في تركيا، انقلب السحر على الساحر، فأيديولوجية هذا الحزب إسلامية لا تختلف في العمق عن إيديولوجية الإخوان المسلمين، وتنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومعروف أن رجب طيّب أردوغان هو خرّيج معهد (إمام خطيب)، أيْ أنه داعية إسلامي، لا يختلف من حيث الثقافة والذهنية عن الشيخ العُريفي في السعودية، والشيخ الحُويني في مصر، والشيخ العَرْعور في سوريا، ودولة يقودها هكذا حزب وهكذا رئيس، وتسود فيها ثقافة الجهاد والغزو، لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تكون معادية للتنظيمات الإسلامية الإرهابية، وهذا ما نريده بالتحديد.

إن دولة تركيا بقيادة الإسلاميين لا تستطيع إلا أن تعمّم الثقافة الإسلامية بطابعها الرجعي في تركيا، ولا تستطيع إلا أن تكون موالية للإرهابيين ومركزاً لشيوخ الإرهاب، ولا تستطيع إلّا أن تصبح مزرعة لإنتاج جراثيم الإرهاب الإسلامي وتصديرها، ومهما غضّت القوى الكبرى النظرَ عن هذه الحقيقة، ولا سيّما دول حلف الناتو، فلن تستطيع الصمت والتجاهل طويلاً، وهذا يعني أن الريح ستكون مناسبة جداً لكي نُذْرِيَ بيدرَنا الكوردي، لكن شريطةَ أن نعرف كيف نُذريه معاً، ولا نضيع الفرصة بصراعاتنا الشخصية والحزبية والطائفية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s